مجمع البحوث الاسلامية
792
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الْحِسابِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : [ ذكر معنى « الحساب » في اللّغة ] المسألة الثّانية : اختلف النّاس في معنى كون اللّه تعالى محاسبا لخلقه على وجوه : أحدها : أنّ معنى ( الحساب ) أنّه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم ، بمعنى أنّه تعالى يخلق العلوم الضّروريّة في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمّيّاتها وكيفيّاتها ، وبمقادير ما لهم من الثّواب والعقاب . قالوا : ووجه هذا المجاز أنّ الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه ، فإطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب ، وهذا مجاز مشهور . والقول الثّاني : أنّ المحاسبة عبارة عن المجازاة ، قال تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً الطّلاق : 8 ، ووجه المجاز فيه أنّ الحساب سبب للأخذ والإعطاء ، وإطلاق اسم السّبب على المسبّب جائز ، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة . والقول الثّالث : أنّه تعالى يكلّم العباد في أحوال أعمالهم وكيفيّة ما لها من الثّواب والعقاب ، فمن قال : إنّ كلامه ليس بحرف ولا بصوت ، قال : إنّه تعالى يخلق في أذن المكلّف سمعا يسمع به كلامه القديم ، كما أنّه يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة . ومن قال : إنّه صوت ، قال : إنّه تعالى يخلق كلاما يسمعه كلّ مكلّف : إمّا بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كلّ واحد منهم ، أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوّة ذلك الصّوت أن تمنع الغير من فهم ما كلّف به . فهذا هو المراد من كونه تعالى محاسبا لخلقه . المسألة الثّالثة : ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوها : أحدها : أنّ محاسبته ترجع : إمّا إلى أنّه يخلق علوما ضروريّة في قلب كلّ مكلّف بمقادير أعماله ومقادير ثوابه وعقابه ، أو إلى أنّه يوصل إلى كلّ مكلّف ما هو حقّه من الثّواب ، أو إلى أنّه يخلق سمعا في أذن كلّ مكلّف ، يسمع به الكلام القديم ، أو إلى أنّه يخلق في أذن كلّ مكلّف صوتا دالّا على مقادير الثّواب والعقاب . وعلى الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسبا إلى أنّه تعالى يخلق شيئا ، ولمّا كانت قدرة اللّه تعالى متعلّقة بجميع الممكنات ، ولا يتوقّف تخليقه وإحداثه على سبق مادّة ولا مدّة ولا آلة ، ولا يشغله شأن عن شأن ، لا جرم كان قادرا على أن يخلق جميع الخلق في أقلّ من لمحة البصر . وهذا كلام ظاهر ، ولذلك ورد في الخبر : أنّ اللّه تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب ناقة . وثانيها : أنّ معنى كونه تعالى ( سريع الحساب ) أنّه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم ؛ وذلك لأنّه تعالى في الوقت الواحد يسأله السّائلون ، كلّ واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدّنيا والآخرة فيعطي كلّ واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك . ولو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العدّ ، واتّصل الحساب ، فأعلم اللّه تعالى أنّه ( سريع الحساب ) أي هو عالم بجملة سؤالات السّائلين ، لأنّه تعالى لا يحتاج إلى عقديد ، ولا إلى فكرة ورويّة . وهذا معنى الدّعاء المأثور : « يا من لا يشغله شأن عن شأن » .